عين العاصمة – نافذتك إلى الحقيقة
الهاشمي ومحور كتاف: جدلية النفوذ والفساد
محلية / 2026/01/26
تتجسد أزمة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية في ظل الحرب المستمرة منذ عام 2015 في الحالة المثيرة للجدل للواء رداد الهاشمي، قائد محور كتاف (البقع) وقائد لواء الفتح؛ حيث يكشف ملفه عن تشوهات هيكلية عميقة ناتجة عن تداخل الولاءات القبلية والأيديولوجية السلفية وتأثير استراتيجيات التحالف العربي في إدارة المناطق الحدودية الحساسة. فالمحور الذي يقع في محافظة صعدة ويمثل رأس حربة لتأمين الحد الجنوبي للمملكة العربية السعودية، تحول وفقاً لتقارير استقصائية وبيانات ميدانية من وحدة عسكرية نظامية تهدف لاستعادة الدولة إلى إقطاعية عسكرية تدار بمنطق العائلة والولاء الشخصي، مما أفرز سلسلة من الكوارث العسكرية والانتهاكات الحقوقية الجسيمة. ويستند هذا التحليل إلى فحص مسارات رئيسية تشمل الفساد الإداري والمالي عبر تعيينات الأقارب، والفشل العسكري المريع الذي تجلى في نكسة وادي جبارة، وصولاً إلى الانتهاكات الحقوقية المتمثلة في الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري للضباط والأفراد.
ويرتبط صعود الهاشمي بخلفيته الأيديولوجية كأحد طلاب الشيخ السلفي يحيى الحجوري في مركز دماج، وهو ما منحه شرعية دينية لدى المقاتلين السلفيين في وقت كانت فيه المؤسسة العسكرية التقليدية تعاني من الضعف. غير أن هذا الصعود ترافق مع سلوك ينم عن عدم اعتراف بالتراتبية العسكرية؛ إذ يرفض الهاشمي غالباً ارتداء الزي العسكري الرسمي، مفضلاً الزي التقليدي، مما خلق فجوة مع الضباط المحترفين. وقد جاء تمكينه في إطار استراتيجية سعودية لإنشاء ألوية دينية ذات ولاء عقدي مضاد للحوثيين، مما حوله إلى "رجل التحالف" في كتاف، متمتعاً بصلاحيات واسعة وحصانة ضد المساءلة، لكن ذلك أدى في المقابل إلى تهميش وزارة الدفاع اليمنية وخلق جزر عسكرية معزولة تتلقى أوامرها مباشرة من قيادة القوات المشتركة.
وتظل معركة وادي آل جبارة في أغسطس 2019 النقطة الأكثر ظلاماً في سجله، حيث وُصفت بأنها "مذبحة استراتيجية" ناتجة عن غياب الكفاءة؛ إذ تم الدفع بأكثر من 1000 مقاتل في وادي ضيق دون تأمين، ليقعوا في حصار محكم من قبل الحوثيين. أسفرت هذه الكارثة عن وقوع ما بين 2000 إلى 2300 جندي وضابط في الأسر، وتدمير مئات الآليات العسكرية، وسط اتهامات صريحة للهاشمي بإهمال تأمين القوات أو حتى "بيع" الجنود في محرقة معروفة النتائج. ورغم فداحة الخسائر، لم تُشكل لجان تحقيق مستقلة، بل استمر الهاشمي في منصبه وعزز سلطته عبر حملات تطهير داخلي استهدفت في سبتمبر 2025 العصب الحيوي للمحور من كبار الضباط وأركان الحرب، ومنهم العميد محمد عبدالله البكير والعميد بازل الفقيه، تحت تهم كيدية تهدف لإزاحة المعارضين وتثبيت أركان حكم عائلي مطلق.
وبالتوازي مع القمع العسكري، قام الهاشمي بهندسة هيكل إداري ومالي يضمن تدفق الموارد لشبكته الخاصة، حيث كشفت وثائق مسربة عن سيطرة أقاربه على مفاصل القرار؛ فشقيقه محمد يشغل منصب نائب قائد المحور، وصهره محمد حمزه يسيطر على العمليات اللوجستية، بينما عُين قريبه عادل مزارق —الذي تشير تقارير إلى كونه مشرفاً حوثياً سابقاً— ركناً للعمليات. هذا الفساد المؤسسي امتد لنهب رواتب الجنود والأسرى؛ إذ تشكو عائلات الأسرى منذ عام 2019 من انقطاع مستحقاتهم، وسط اتهامات للهاشمي بالتلاعب بالكشوفات المرفوعة للتحالف لإخفاء الحجم الحقيقي للخسائر أو الاستيلاء على المخصصات. وتكتمل قتامة المشهد بإدارة سجون سرية تُمارس فيها انتهاكات جسيمة بعيداً عن رقابة النيابة العسكرية، مما يجعل من استمرار بقاء الهاشمي في منصبه تحدياً صارخاً لشرعية الدولة اليمنية وتهديداً مستمراً للأمن القومي على الحدود.
آخر الأخبار